أول ما بنسمع كلمة الهوارة وخصوصا لو متابعين الدراما المصرية هنفتكر على طول مسلسل “ذئاب الجبل”. المسلسل للي مايعرفوش بيحكي قصة “وردة”، بنت من الهوارة كسرت القواعد وحبت حاتم. حاتم مش هواري وده بيخلي قصتهم مستحيلة. لكن وردة بترفض الإستسلام وبتهرب مع حاتم على إنجلترا وبيتجوزوا ويخلفوا. بدري –أخو وردة اللي كان عايزها تتجوز من العيلة- بيفضل يدور عليها علشان يقتلها، ده جزاء كسرها لقواعد الهوارة!
للأسف القصة دي مش من كليشيهات الدراما المصرية، ولا حتى الخيال الخصب لمحمد صفاء عامر. القصة حقيقية وبتحصل كل يوم مع كل وردة بتنتمي للهوارة.

كانت أول مرة اتعامل مع الهوارة في دار السلام –جنوب سوهاج- مع أكتر مجموعة من المتدربات اثارت جوايا روح التحدي, كانت مجموعة متنوعة في الأعمار، المؤهل الدراسي والحالة الإجتماعية لكن كلهم بيتشاركوا نفس المصير المظلم. ليه؟ علشان اتولدوا هواريات ولازم يخضعوا للقواعد والقوانين اللي بتحرمهم من أبسط حقوقهم في إختيار شريك الحياة أو انهم يكملوا تعليمهم.

قبيلة الهوارة هي واحدة من أكبر القبائل اللي موجودة في أماكن متفرقة في الصعيد –أهمهما سوهاج وقنا- واللي بتنتمي أصلاً للأمازيغ اللي جم مصر من المغرب وليبيا. قبيلة الهوارة بتعتز جداً بماضيها وأصولها وأراضيها الزراعية الكبيرة اللي منها بتستمد قوة للهيمنة على عائلاتها ومش ممكن تفرط فيها تحت أي ظرف. ده شوية بيوضح ليه زواج الأقارب هو الشكل الوحيد المسموح به للزواج في الهوارة –إلا ان مفيش مساواة في تطبيق ده بين الرجال والسيدات- للحفاظ على الأراضي من الوقوع تحت سيطرة الغير هواريين. برغم صرامة الإلتزام بالزواج من قبيلة الهوارة بس، لكن في بعض الحالات ممكن يتجوز الهواري من نساء غير هواريات –لأنها مش هتوَرث الأرض لحد غريب- لكن لو شَت خيال بنت هوارية للتفكير في الزواج من شاب غير هواري فهي بتعرض نفسها للعقاب القاسي اللي ممكن يوصل للقتل. القصة اللي حصلت بالفعل في دار السلام –بناء على حكاوي بنات هواريات- لما قررت بنت انها تتجوز من بره الهوارة فتم قتلها على ايد عيلتها!  وده شوية بيفسر الحساسية الشديدة اللي كان بيسببها الكلام في زواج الأقارب، ختان الإناث والزواج المبكر في التدريب لأن الهوارة متمسكين جدا بعاداتهم وتقاليدهم خصوصا في الأمور اللي بتخص حقوق المرأة.

التمييز والحقوق المهدرة للستات الهواريات بيخليهم كأنهم بني آدمين درجة تانية. محرومين من حاجات كتير على عكس الرجال زي انهم يخرجوا بره القرية علشان يكملوا تعليمهم، مش مسموحلهم يتجوزوا غير من الهوارة وفي بعض القرى الستات لازم تنزل من البيت لابسة جلابية رجالي علشان مايبنش انها ست ومحدش من الرجال يبصلها. على العكس بالنسبة للرجال فيما يخص موضوع الزواج مثلا بناءً على كلام الهوارة إن عدد الستات الهواريات أكتر بكتير من عدد الرجال وده بيدي مساحة كبيرة للإختيار بالنسبة للرجال وبيحصر جدا إختيارات الستات في الجواز. الجدير بالذكر إن من كرم الهواري ومساهمته في حل أزمة العنوسة المحتمة اللي هتحصل نتيجة الفرق في العدد ده، بيتجوز الهواري إتنين وتلاتة وساعات أربعة! وطبعاً التنوع في الإختيار بيخليه يميل للعروسة الأصغر سناً وده بيعزز ظاهرة الزواج المبكر, المشكلة –من وجهة نظري- ان الستات مستسلمة ومش بتحارب لإنتزاع أي من حقوقها المسلوبة. التمييز والقمع والتحكم حوَلهم لأشخاص سلبية غير طموحة كل أملها في الحياة ان حظها يكون حلو وتتجوز قبل متوصل لنص العشرينات، وإلا فرصها هتحصر في الرجالة الكبيرة والمتجوزة‘ ده لو اتبقالهم حد يتجوزوه أصلاً.

جدير بالذكر ان التدريب اللي بيقدمه برنامج إتجاه للتوعية بالصحة الإنجابية كان أول فرصة بالنسبة لأغلبية الحضور انهم يتعلموا عن الصحة الإنجابية وقضايا النوع الإجتماعي من وجهة نظر طبية مبسَطة، وده كان مخلى التدريب ممتع بالنسبة لهم. المشاركة الفعالة والمناقشات المفتوحة كانت من سمات التدريب وكذلك المناظرة على القضايا الشائكة والأسئلة المفتوحة. من دواعي التفائل ان المتدربات في آخر التدريب كانوا مهتمين ومتحمسين جدا يتعلموا عن المبادرة وازاى ينقلوا المعلومات اللي اتعلموها دي لباقي الستات في قريتهم.

واخيراً اخاطب العاملين بمجال التنمية انهم يعيروا قرى دار السلام واللي زيها اهتمام اكبر. انزلوا وهتلاقوا مستفيدين جداد محدش كلمهم قبل كده وبالكاد يكون وصلهم اى توعية أو مشروعات تنموية. الشغل معاهم مش هيكون سهل، لكن النتايج تستاهل قبول التحدي ده زى ما احنا قبلناه.

ملحوظة: القصص المذكورة حكاهلنا افراد وقادة من قبيلة الهوارة بدار السلام.

د.ساندي رأفت

اخصائي برامج

هذه المدونة لتدوين انجازات وتجارب وخبرات فريق عمل برنامج التوعية بالصحة الإنجابية وقضايا النوع الإجتماعي، والذي تقوم بتنفيذه مؤسسة إتجاه بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان بمحافظة** سوهاج والشرقية وأسيوط.